|
الهوية والعولمة إشكال واو العطف
فيصل محيمدي*
مع تفكك الإتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين، سادت تسميات جديدة وتعالت أصوات كثيرة في شتى أنحاء العالم معلنة عن ولادة إنسان جديد ينعم بالرفاه والحرية في ضل نظام عالمي جديد وعن بزوغ فجر التاريخ الحقيقي حيث انتصار المفرد على المختلف والمتنوع ... في هذا الإطار، انطلق مهرجان الإحتفال بخطاب النهايات "نهايةالتاريخ،نهاية الجغرافيا، موت المثقف، نهاية الإيديولوجيا.
كما تم التشكيك بشدة في الخصوصي والقومي والمحلي...ليصبح المعولم هو اليقين والحقيقي. فالأول أي الخصوصي والقومي أي سؤال الهوية هو سؤال تسلط أما المعولم فهو سؤال حرية، الأول واقع زائف، أما الثاني، فهو حقيقي...
ولكن خطاب النهايات لم يضع نقطة للدلالة على النهايات. فقد استأنف اصحاب الهوية مسار التاريخ من موقع المهمش والمنسي والمظلوم... وقابلهم 'أسياد العالم' بالرصاص والقتل معلنين 'الحرب على الإرهاب...
يتراءى للقارئ منذ أول وهلة أن الصراع أصبح صراعا حضاريا...إلا أننا نسارع بالقول أن الحرب على الخصوصي ما هي إلا وسيلة أو واسطة للسلط. فالذي يسعى إلى التعولم ما هو إلا سوق ضاقت في حدودها بحكم الفائض الإنتاجي والمالي المطعم، أي الفائض، بنزاعات عنصرية والمغذى بنزعة مركزية إستعمارية يتم تفريغه في مجال المغلوب والضعيف.
فالعولمة إذن أو القرية الكونية الواحدة الساعية إلى هدم الجدران وقبر الجغرافيا ومحاربة 'الهوية' إنتصارا للكوني، ما هي إلا ابتلاع لكل هذا ثم تقيؤه سلعا ما هي إلاتفكيك لكل ما هو مقاوم للتسلط في إرث الشعوب وثقافاتها وحاضرها من أجل التوسع. إنها نظر إلى البشر بمختلف ثقافاتهم بأنهم حطب تلتهمه الشركات الإقتصادية العملاقة متعددة الجنسيات.
إن موضوع العولمة لموضوع معقد ومتشعب، لذلك سنحصر مجال تفكيرنا في مآل الهوية ضمن الواقع المعولم، أي التفكير في الهوية ضمن الشروط السياسية والتاريخية العالمية الحالية.
يمكن أن نستخلص بالإعتماد على الدلالة اللغوية والفلسفية والتاريخية والإجتماعية، أن 'الهوية' كمفهوم تعني 'مجموع المواصفات التي تجعل من شخص هو عينه، شخص معروف أو متعين "Laroue"'.
ويقابل الهوية في الفرنسية وهي من أصل لاتيني، ويعني الشيء نفسه أو الشيء الذي هو ما هو عليه.
أما في اللغة العربية، فهي مصدر مركب من ضمير المفرد الغائب المعرف بأداة التعريف "ال" واللاحقة المتمثلة في "ي" المشددة وعلامة التأنيث أي "ة".وداخل التراث العربي نجد تعريفات متعددة للهوية.إذ عرفها الجرجاني بأنها الأمر المتعقل من حيث امتيازه عن الأغيار.
وعند ابن رشد، هي تقال بالترادف على المعنى الذي يطلق عليه اسم الموجود. وعند الفارابي، فهي تعني عينية الشيء وتشخصه وخصوصيته...إن بسط هذه التعاريف سيساعدنا على تحديد مفهوم للهوية المجتمعية بكونها مجموعة الخصائص التاريخية والثقافية والإجتماعية المشتركة التي تجمع مجموعة بشرية نطلق عليها شعبا أو أمة.
هذا إلى جانب وحدة المصالح والمصير المشترك.لذلك فالهوية تكونت وبرزت مع تطور مجموعة بشرية ما في التاريخ.فهي تاريخية لذلك فهي متغيرة ونسبية وليست مطلقة وثابتة أو ساكنة. فالعرب قبل الإسلام ليسوا نفسهم العرب مع ظهور الإسلام. والفرنسيون ليسوا نفسهم قبل ثورة 1789 وبعدها...
إن هذا التحديد لازم لنزع صفات الإطلاق والقداسة عن الهوية وربطها بالتحولات الطارئة على التاريخ.
إن ذلك ليس لازما فحسب من الناحية المعرفية المحض، فهو ليس مطلوب لذاته بل تظهر جدواه من الناحية العلمية أي أن هذا التحديد مطلوب أيضا لوظيفته. فالسؤال 'من نحن؟' طلب للمستقر والثابت أي ما نحن عليه.
فهو لا يثري بل يشدنا إلى الأصل، أي بعبارة أوضح ما كنا عليه أو ما نحن عليه الآن يجذبنا من الحاضر إلى الماضي ينفي المستقبل إنتصارا للحاضر الأبدي، أما سؤال ما نحن؟ ماذا عنا؟ كيف نكون؟ فهو يجعل من هويتنا حضور وصيرورة، سعي إلى الفصل، تحفيز على الإبداع...
إن هذه الفكرة يلخصها مطاع صفدي مفهوميا في تعبير رائع 'براءة الصيرورة' أي ربط الهوية بالإختلاف والإبداع لا بالتكرار.
إن العولمة بسماتها الحالية تدمج المتعدد وتصهر المتنوع ضمن الواحدي القائم على القهر والتسلط، معلنة عن ميلاد الإنسان الكوني أو المعولم. فالنظام العالمي الجديد الذي جاء بعد نهاية الحرب الباردة وإفشال التجارب التحررية للشعوب في العالم الثالث برره أسياده المنتصبين على عرشه بإشهار سياسي عن انتصار المنظومة الليبيرالية. فالإنتقال من عالم متعدد إلى مركز واحد لم تنشئه شعوب العالم الثالث بإرادتها بل تم الإنتقال بقوة السلاح وعلى أشلاء المهزوم.
إضافة إلى أنه لم يكن نتيجة منطقية لتطور العلاقات الدولية. فهو ليس نتاج رغبة في العيش المشترك بكل ندية بل كان إعادة إنتاج لمنطق الأقوى ضمن شروط عالمية متغيرة.
هكذا إذ وضعت إستراتيجية عالمية صاغها الأقوى سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ليعممها على كل العالم بالقوة. لذلك، فالهوية الكونية المتباهى بها هي خلاصة للقهر والتسلط،، فكيف يمكن أن تكون شرعية؟
وكيف يمكن أن تكون حبلى بالخير والرفاه للبشر؟ كيف للذي تعرض للارهاب والجوع والاحتلال والمفتت شظايا، المعاد صياغة جغرافيته السياسية بتجزئته أكثر فأكثر أن يجري لاهثا لدخول الجحيم الموعود: العولمة في صيغتها الحالية؟
كيف للغرب الرأسمالي، للغرب التحرري الذي لا يزال متشبثا بمركزية العرق ومركزية الأنا ومركزية العقل ومرض الوله الذاتي أن ينتج عولمة إنسانية؟ إن أغلب دعاة العولمة الليبيرالية المتباهين بانتصار الإنسان الأخير، الإنسان الليبيرالي، تسقط حججهم بمجرد تأشيرهم لتنقل السلع ومنعهم لتنقل البشر.
إذن، فالعولمة ما هي في نظرهم إلا فتحا للعالم أمام السلعة، فتحا للعالم أمام الإنسان النمطي، الإنسان النسخة. وإلا لماذا لا يفتحون غزة على العالم؟ لماذا لا يفتحون العراق حتى يحاسب البشر الأحياء، الأحرار مجرمي الحرب؟ لماذا لا يفتحون مدن المقاومة على العالم؟
إن القتل على الهوية وتفجير مشاكل الأقليات يعود في جزء كبير منه إلى القوى العالمية المسيطرة بعساكرها واقتصادها دون أن نغفل عن العوامل الداخلية المتشبثة ببنى مفوتة والمنتجة للإنقسامات الطائفية والعرقية والقبلية ما قبل المواطنية، في تحالف مطلق بين خارج منتج لشروط التخلف وداخل منفذ لسياسات التخلف الإجباري، متحفز لاغتيال أية محاولة لولادة مجتمع سياسي حقيقي.
إن هذه الشروط تدخل الهوية في أزمة، حيث تعود إلى ماضيها لتسكنه، بل لتتخذه منطلقا للمقاومة ولو بشكل خاطئ.
هكذا، إذن، تنكشف أباطيل دعاة العولمة حول المواطنة العالمية و'الإنسان الكوني'. فما هي نتائج إستراتيجيتهم: انقسامات طائفية وقبلية تذهب في اتجاه تأسيس دول وفقا لمقاسها الطائفي أو القبلي، أي إنتاج واقع سياسي -ما قبل مواطني- وواقع صاحب الهوية وعقله ضيق يبعدنا أكثر فأكثر عن فكرة الأنسانية المشتركة وواقع العيش المشترك .
انّ الهوية تتمطط وتتوسع أو تضيق بحسب الظروف والحوادث والأزمات الأقتصادية والسياسية التي تمرّ بها المجتمعات .
قد ينتبه القارئ الى التناقض الحاصل في خطاب دعاة الإنسان الكوني بين الدعوة الى المواطنة العالمية وتفتيت المجتمعات أي بين الدعوة الى كسر الحواجز وواقع بناء الجدران العنصرية.
إنّ ذلك التناقض لازم للواقع العالمي الراهن 'فمن السمات اللافتة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة كونها ليبرالية ومتعية وكابتة، تعددية وأحادية، وسبب ذلك يمكن تبيّنه، فمنطق السوق وهو منطق لذة وتعدد ...منطق شبكة من الرغبة عظيمة لا مركز فيها... فكلّما تصاعد تهديد قوى السوق بقلب كلّ استقرار، كلّما تعاظمت حاجة المرء بأن يلحّ على القيم التقليدية' "تيري ايفلتون-أوهام ما بعد الحداثة- ترجمة ثائر ديب".
إنّ الدعوة إلى الإختلاف والتنوع، ضمن شروط القهر العالمية الحالية، لهي دعوة مثالية. ذلك أنّ الهوية كاختلاف لا يمكن أن تتأسس وتنمو وتنفتح الاّ خارج اطار سياسات الميز العنصري والحصار والتجويع والتقتيل المتواصل... لذلك لا بدّ أن نشير الى حقيقتين: الأولى تخصّ المندفعين إلى الإنخلاع من الهوية القومية المتجاوزة لكلّ النزاعات ما قبل المواطنية "قبيلة، عشيرة، طائفة، مذهب..." نحو الهوية المعولمة الحالية . انّ هذا الخلع ليس قادرا على التجسد حاليا في شكل إبداعي خلاّق محرر لطاقات الإنسان، حيث الفتك اليومي بالمختلف والمتنوع ورسم مسار الواحدي الممركز.
والثانية تخص العاجزين والمظلومين المحتمين بالهوية الثابتة. إن توجهم إلى الماضي لئن وفر لهم سكينة نفسية، فإن ذلك التمثّل للهوية غير قادر على الحضور البنّاء ضمن الشروط العالمية المعاصرة حيث تصبح الهوية 'جثة محنطة ننتزعها من الماضي لا جماهير وقد شرعت في التحرك'، كما قال 'فرانز فانون.
إن إعادة الصلة بين الفرد والأمة تبقى ضرورة ملحة، أي الإفصاح عن هذه الصلة ضمن مجتمع سياسي أساسه المواطنة المتجاوزة لنزاعات ما قبل مواطنية "القبيلية، العشائرية،المذهب..." وإرساء ديمقراطية حقيقية قاطعة مع شعارات الداخل والخالرج الزائفة والديمقراطية المخصية، ديمقراطية الطوائف.
هذا إضافة إلى إعادة الصلة بين الأمة والإنسانية من خلال القطع مع سياسات الوله بالذات والنرجسية بغية العيش المشترك على أساس الندية بعيدا عن كلّ نزعة تمركز وأفضلية.
إن هذا التمشي سيساعد الهوية على الحياة الحقة الطليقة الحرّة من كلّ ميز عنصري أو تمركز أو تسلط اقتصادي وسياسي وحضاري...
___________
* كاتب تونسي
|