|
أنا لا أكذب ولكن أتجمل...!
ما زلت أتذكر تعليق بعض الأصدقاء على مساهماتي، فالبعض تمنى لي التوفيق، والبعض الآخر ذكرني بأن الطريق الذي قررت سلكه مليء بالصعوبات والخيبات، ويحتاج الى وقت طويل، قد لا أكحل عيني برؤيته. ولكن ما شجعني أكثر على الاستمرار هو مراسلة بعض الأطباء وقولهم أنهم يتذكرون مساهماتي كلما قابلوا مريضا، أو حالة مرضية. استوعبت عندها دور الكتابة في تغيير مسار الفكر الانساني أو تحسينه في أي مجتمع، ولكنني أدركت أيضا الدور الخطير الذي تقوم به وسائل الاعلام في حياتنا اليومية. وفهمت أيضا لما تم توقيف برنامج حمدي قناديل، عندما قدم هذا التصريح في مقدمة برنامجه، قلم رصاص، على قناة دبي: " أظن مافيش حاجة تحبط أد المقارنة المؤسفة بين مناضل ضد اسرائيل ... نلاقيه كامن بمخبئه...والقاتل بحكم محكمة على شاشات التلفزيون... ويستقبل بقصور الرئاسة العربية... آه يا أمة جاحدة، يا أمة ناكرة... يا أمة كل الي شاغلك النهرضة مسلسل هشام وسوزان بعد مسلسل تامر وشوقية... يا أمة كانت أمة محمد... بقينا أمة مهند". باختصار استنتجت أن وسائل الاعلام سلاح ذو حدين، ان لم نعرف كيفية توجيهها، قد يؤدي الى تحول الاعلام الى وسائل اعلانات ودعايات في أيدي البعض، أما اذا أتقنا، فسيكون بمقدورنا النظر الى واقعنا بطريقة مختلفة.
يقول أحد الباحثين: " أن الدراسات أثبتت بأن بعض الطلاب عندما يتخرج من الثانوية العامة يكون قد أمضى أمام شاشات التلفزيون 15000 ساعة، وحين يبلغ أطفال اليوم سن السبعين، يكونوا قد أمضوا 10 سنوات من حياتهم أمام التلفزيون، على أساس أنه يشاهد 23 ساعة في الأسبوع". من هنا نستنتج أن الاعلام له دور كبير في توجيه وتربية الجيل وتحديد نمط سلوكهم وحياتهم. أي أن الاعلام يؤثر على الأخلاق والسلوك وتقبل كل جديد ومفيد. والآن، دعنا نتساءل عن موضوع طرح في عدة مساهمات، هل الاعلام في بلدنا العزيز يقوم بدوره؟ ففشل الوسائل الاعلامية في تلبية حاجات المواطن لا تقف عند حد الفشل الذاتي، وانما يتعدى ذلك الى احداث نفس الأثر على المجتمع، مما يدفع الأفراد الى البحث عن مصادر اعلامية أخرى أو بديلة. وللأسف نفس الحالة تنطبق على الصحافة أيضا، فأكثر ما تفعله، بالمجمل، نشر الاخبار والاشاعات، أما ما تقدمه من مواد تتعلق بقضايا المجتمع فلا يزيد عن كونه مادة اعلانية لأفراد أوشخصيات اجتماعية أو مؤسسات خدمية مدعومة. وبعد كل هذا نتساءل عن سبب فساد المناخ الفكري في مجتمعنا... يجب على بعض مؤسساتنا المحلية تغيير أسماءها لكي تطابق ما أصبحت عليه فلا تستفزنا بأسماء لم تعد لها علاقة بالرسالة التي من المفروض عليها تأديتها. ومن أهم هذه المؤسسات هي مؤسسات الاعلام، التي جعلت شعارها الأساسي "أنا لا أكذب ولكن أتجمل". اذ تظل التقارير الاعلامية داخل وسائل الاعلام التقليدية تتحرك داخل دائرة المدائح الموجهة لأعمال الدولة من جهة واحراج الحكومة من جهة ثانية. أما التقارير التي تمس الوضع غير المرضي للطب على سبيل المثال فهي لا تتجاوز مجرد التذمر والتشكي. كما أنه لا يعرض الموضوع الا عندما تتطور الأمور لتنتهي الى مأساة. قد تقول يا عزيزي المواطن، وكيف يستطيع الاعلام الكتابة عن المأساة قبل وقوعها...! وهنا مربط الفرس، وذلك بتوعية المواطن والجهات المعنية بالمخالفات التي ترتكب من قبل المشافي والأطباء داخل المراكز الصحية، قبل حدوث الكوارث كنتيجة متوقعة لمثل هذا التسيب. فمهمة وسائل الاعلام ليست فقط نشر الأخبار وتصوير الوقائع، انما تدارك الوضع ومطالبة الجهات المعنية بايجاد حلول ناجعة. وللأسف، الخط الاعلامي ما هو الا رد فعل وقتي، يحدث في أعقاب الأخطاء الطبية، وينتهي دائما فجأة مثلما بدأ. وعدم الاعتراف بوجود المشكلة والتعامل معه يؤدي الى تفاقم حجم المشكلة، فنجد المواطن الذي يتعرض هو أو أحد أفراد عائلته لخطأ طبي يدفع ضريبته كرها، وليس ذلك فقط، انما يظل حائرا بين ايجاد الوسيلة المناسبة لايصال معاناته أو مشكلته في وسائل الاعلام، وبين مجاملات ممثلي وزارة الصحة في أرجاء دولتنا. والتساؤل الذي يفرض نفسه بعد كل هذا... لمصلحة من يحدث هذا؟ وأحسب أن السؤال سيظل حائرا... برأيي وسائل الاعلام يجب أن تقود الفكر الاجتماعي لا أن تنقاد، أن تشكل الرأي العام لا أن تتوجه بحسب اتجاهات الرأي العام، وأن تكون لها خط واضح وعام وشامل، له من الاتساع ما لا يقيد الخلافات الجزئية. فالمساهمة في حل مشاكل المجتمع بإلقاء الضوء عليها، والتوعية بها، واقتراح أفضل الحلول لمعالجتها، وتكوين رأي عام مستنير ازاء القضايا الحيوية، مثل قضية الصحة والأخطاء الطبية، من خلال توفير المعلومات الصحيحة والكافية، وعرض مختلف الآراء الواعية والقضايا الطبية، هي أقل ما يمكن أن تقدمه لنا ... أربي أسمر
|